.

.
Showing posts with label مقالات. Show all posts
Showing posts with label مقالات. Show all posts

مقدرتنا على التغيير

Thursday, July 27, 2017

منذ الانفجار الكوني العظيم  قبل خمسة عشر مليار سنة بدأ شيء اسمهُ التاريخ !بعد ذلك بدأ هذا التاريخ  بالتشعب أكثر وأكثر ليتحرر ذاته من مفهومهِ العام والتقليدي ... نعم تحرر... ليكون ثمة تاريخ للكون وتاريخ للأرض بعصورها الجيولوجية ثم تاريخ البشرية وتاريخ الحضارات والديانات والشعوب والقائمة تطول كلما ناشدناها الاختصار !
إن صفة التحرر والاستقلال تسِمُ كل شيء في هذا العلم القديم والمسمى تاريخ ، فالجميع أراد أن يكون متبوعاً لا تابعاً ، سيداً لا عبداً ، أصلاً لا فرعاً .... باختصار كل شيء أراد أن ينفرد بذاته وهذا المفهوم انسدل على الجميع  مجرات ونجوم وكواكب و دول وبشر وحيوانات .
فالأسد استأثر بالغابة و أخاف بزئيره كل صنوف الحيوانات وتزعم محيطه ورفض التبعية من أحد لذلك نجده في آداب الشعوب وقصصها هو ملك الحيوانات ولأجل ذلك سَيَدهُ ابن المقفع في (كليلة ودمنة) دون غيره ، كذلك الإنسان ، فمنذ أن استعمر الأرض وكان بدائياً إذ كان رمحهُ من خشب وسكينه من حجر وملبسه ورق الشجر نجده تزعم المحيط الذي يعيشهُ ، فزعيم القبيلة ثم زعيم القبائل كلها ثم الزعيم الأكبر ، بل ذهب بحبه للقيادة بأن اعتقد بأن الأرض كلها ملكٌ له بما تحتويه من حجرٍ وبشر ، حتى البحر لم يسلم من بسط نفوذهِ عليه ، وإلا ما كنا سنسمع لاحقاً  عن القراصنة و أسياد البحر .....
واذا ما توسعنا بالأمثلة سنجد بأن الحضارات والدول مارست حب الزعامة ، حيث أن العمود الفقري لأي حضارة هو الدين أو العرق فمنذ عمق التاريخ نجد بأن أي حضارة حينما ازدهرت وقويت وتثبتت بالأرض  كان أول خطوة لها بعيد ذلك هو غزو الحضارات الأخرى  بحجة أنها الأقوى والأمكن والأجدر بالبقاء عن بقية الأمم الأخرى  ، وإلا ما كنا سنسمع لاحقاً عن مفهوم صراع الحضارات .....
وحينما تقدم الزمن أكثر استخدمت الدول نفس النهج بالاصطفاء والارتقاء دوناً عن الغير ،  وكثيرةٌ هي الدول التي قوت شوكتها فالتهمت غيرها بحججٍ كثيرة سوغتها هنا وهناك لتبرر ما فعلت ، لكن هدفها الأوحد بالتأكيد هو السيطرة والانفراد في كل شيء  ....
كذلك الأجرام السابحة في عتمة الكون المتسع ، فالكويزات تزعمت النجوم والأخيرة تزعمت الكواكب ، والكوكب تسيد الأقمار وجعلها رهينة حركتهِ وحده دوناً عمن سواه ،  وربطت تلك الكواكب أقمارها بأمواج جاذبيتها لتبقى ملكاً لها وحدها  ....
تيتان قمر جميل جداً فيهِ كل مقومات الاستقلال لدرجةِ أنهُ يشبه كوكبنا هذا ، ويقول الفلكيون بأن الماء وفيراً عليه لكنهُ مختبئٌ بأغوارهِ السحيقة، أنهار الميثان تجري فيهِ هنا وهناك ، بعيدٌ عن الشمس لذلك تجمد ، حاول كثيراً أن يتحرر من جاذبية زحل وينطلق نحو نجم الشمس ويستقل لكنه ما استطاع أبداً ، إنهُ ينشد الدفيء كي يفجر بأعماقهِ مظاهر الحياة المجمدة من ماءٍ وهواء ويكون نابضاً بالحياة كالأرض  ولربما ينافسها ، لكن زحل عنيد وقاسٍ حيث عمق من  شد تيتان نحوه ، وجعلهُ  رهين أمواج جاذبيته  فقط  فلا يستطيع الانفلات منهُ أبداً ....
أوروبا قمر لا يقل جمالاً عن تيتان فيه الملح والمغنيسيوم والكبريت جميلٌ وساطع لكنه باردٌ أيضا ، لن تنفجر فيهِ مظاهر الحياة إلا إذا فك أغلاله وانطلق نحو الشمس أيضا، لكن سيدهُ كوكب المشتري يمنعه ، يقيده ، يلزمهُ بالدوران حوله فقط ، وكأنما يقول له : جمالك لي وحدي دون غيري ، لن تبرق بأفقٍ غير أفقي أنا... على الرغم من عواصفي الهوجاء الشرسة المعبرة عن مزاجي وغضبي فإنك باقٍ لي وحدي  .... إذا لا مناص لهذا القمر سوى الطواف في إهليلج هذا الكوكب العملاق كرهاً لا طوعا  ....
كم من صاحب إبداعٍ وفكرٍ أراد أن يتحرر من أغلالٍ تقيده فكراً وجسدا لكنهُ ما استطاع ، ليظل حبيساً لقيود الجماعة والطائفة والجنسية واللون  والعشيرة والحارة والمسقط ، كل واحدٍ فينا بداخلهِ عبد وسيد ، كوكب وقمر ، حرية وعبودية .... فيصطفي من هذا وذاك من أراد لهُ القدر أن يكون .... أحيانا نكون قادرين على تغيير مسالك و مسارات صفاتنا وأحيانا لا نستطيع ، فقد ندور في إهليج غيرنا مرغمين وأحيانا يدور الغير في إهليجنا ، كل هذا متوقف على مقدرتنا للتغيير إن كنا لذلك فاعلين .
صدق الكاتب الأمريكي ( بروس بارتون) حينما قال (لم ينجز شيء إلا على أولئك الذين تجرئوا على الاعتقاد أن بداخلهم قوى تتفوق على الظروف).

قبل فوات الأوان

Saturday, May 13, 2017

المتأمل للكون المهول يصاب أحيانا بشيء يشبه توقف الآلة نتيجة عنف الاستخدام ، كذلك العقل المتدبر للكون يصل لمراحل تؤدي لتوقف آلة التفكير برأسه وذلك نتيجة صعوبة استيعاب ماهية الكون ودواعي توسعه المضطرد بهذا الشكل العجيب  ....
كون مترامي الأطراف يحتوي على ملايين المجرات والسواد الأعظم من هذه المجرات  لم يكتشف بعد ، و حجم كرتنا الأرضية بالنسبة لهذا الكون كحجم كرة التنس اذا ما قورنت بحجم الشمس ، وبذلك نكون قد جاملنا كرة التنس كثيراً .....
في الكون ومن الكون بالذات وجد بعض العلماء المدخل لمعرفة إن كان هنالك ثمة  صانع ومهندس له ، ومنهم ( ستيفن هوكينز) وهو أقدر من تعمق في نظرية الانفجار الكبير ( The big bang )، ورغم  إمكانيات عقله التي ناظرها البعض بعقلية أنشتاين إلا أن ستيفن هوكينز أنكر تماما أن يكون هنالك صانع لهذا الكون العملاق وادعى بأن الانفجار العظيم هو من أوجد كل شيء، نتيجة استحاله استيعاب عقله للقوة المسيطرة على الكون ، على العكس من أنشتاين والذي كان متدينا ومؤمن بالمهندس الأوحد للكون ، وهو من العلماء الذين درسوا الكون جيداً    و على أساس ذلك وضع أسس النظرية النسبية الخاصة والعامة ، وكان هو أول من تنبأ بوجود موجات الجاذبية التي تحيط بالأجرام السابحة بالفضاء .... 
ما يهم هنا هو دراسة نشأة الكون للوصول لوجودنا نحن عليه ، إن كل الدراسات التي عنيت بهذا الموضوع 
تعتمد على الافتراضات والتوقعات المستنبطة من قوانين الفيزياء الكونية فالعلماء يقولون بأن عمر الكون زهاء ١٤ مليار سنة ومنهم من يقول بأن عمر الكون بدقه ١٣.٧ مليار سنة وآخرون يقولون بأن عمرهُ قرابه ١٥ مليار سنة ، لنجد بأن المليون سنة بين ما سمعناه  لا تساوي شيئاً وكأنها دقيقة واحدة امام تلك الارقام الفظيعة.... 
إن هذا الكون اللامتناهي بالصغر واللامتناهي من فرط الكبر يجعلنا أمام حقائق وأكاذيب وأحياناً أساطير وخرافات حيكت هنا وهناك ، لأن العقل البشري لما يزل عاجز عن إدراك ولو حتى دقائق الأمور فيه ، والكثيرون ممن خاضوا غمار ذلك حتماً توقفوا عند أمور أصبحت خارجة عن منظومة عقولهم فأسندوها للمجهول واكتفوا بذلك دون أي تعليل لعجزهم عن تبريرها.
ومن ضمن تلك التساؤلات التي لم يجدوا لها جواباً هي : هل نحن وحيدون بهذا الكون أم أن هنالك من يشاركنا الحياة ؟
 خاصة عندما نتحدث عن مليارات المجرات منتشرة ومطرزة بكافة أطراف الكون تحتوي على مليارات المليارات من النجوم والكويزرات والكواكب وما مجرتنا (درب التبانة) سوى مجرة متواضعة أمام غيرها، وبعضها  يوجد بها نجم واحد  يضارع ربع مساحة مجرتنا .... الأمر قد يصيبك بالصداع ، ولربما تتجاهله كون التخيل هنا يحتاج لخيال ! 
فالأمر بغايه التعقيد ، شديد الوضوح أحياناً وبنفس الوقت شديد الغموض ....هنالك مقولة لعالم فلكي اسمهُ  آرثر سي كلارك  Arthur C. Clarke  يقول فيها  : "يوجد احتمالان.. إما أننا وحدنا في الكون أو لا نكون كذلك، كلاهما مرعب بنفس المقدار "  
فعلا إن كلا الأمرين يبعث على الرعب فمجرد أن نكون نحن الحياة الوحيدة في الكون فهذا قمة الرعب كوننا منفردين في وسط لا منتهي من المجرات وسط ظلام المادة العتيمة ، وإن كان هنالك ثمة شركاء لنا فهذا لربما أكثر رعباً ، ما الحال لو اكتشفتنا تلك المخلوقات ، هل ستغزونا وتقضي على الجنس البشري والحيواني على كوكبنا ، هل سنرى حينها فيلم ( يوم الاستقلال) حقيقة وليس مجرد خيال من هوليوود ......
إن نظرية (التخلق اللاحيوي) والتي كانت معتقد سائد لردح طويل من الزمن عن كيفيه نشوء الحياة على كوكب الارض تدعي هذه النظرية بأن الحياة بدأت قبل ٣.٥ مليار عام اي بعد الانفجار العظيم بحوالي عشرة مليارات سنة ، أي أن الأرض لم تصلح للحياة إلا بعد مرور هذه السنوات  ، حيث نشأ الأكسجين وتشكلت المياه على هذا الكوكب وبدأت الأحماض النووية بالتفاعل لتنشأ السلاسل الحيوانية والنباتية ، ولتبدأ كل أشكال الحياة أو مساعدات الحياة من ريح ومطر ونار وبركان والقائمة تطول ، واستعمر هذا الكوكب المخلوق الوحيد الذي تطور عقلياً من بين سائر المخلوقات ، والمقصود هو الانسان ، والذي سخر كل ما في الأرض لخدمته ولاستدامة بقائه ، لكن هذا المخلوق والذي ورث الكوكب وتعهد بالحفاظ عليه ، نجدهُ  يدمره بنفسه ويسعى لفنائه ... فمنذ أن كان عدد البشر على أصابع اليد وقعت أولى جرائم القتل ومن بعدها نشأت البغضاء والمكائد والحروب .
 يقول علماء (الأثنولوجيا) بأنه لم تمر مئة سنة على الأرض منذ وجود الانسان عليها حتى الآن لم تشهد فيها حروب طاحنة ومفنيه للكثير من الناس، أي فعلياً لم يمر قرن  على الأرض عم فيه سلام أبداً ..... إن هذا الإنسان هو أكبر مدمر لكوكبه ، ولربما ينجح بالقضاء على جنسه حتى قبل وصول المخلوقات الأخرى له ، ولربما سيقضي على ذاته قبيل أن تتسخر هذه الأرض لأن تكون مهداً لأجناس أخرى غير الجنس البشري لتكوين مستعمراتها فوق سطح الكوكب الأزرق ...... 
إن المسبار المريخي  كيوريوسيتي روفر الذي أوصلته ناسا للمريخ عام ٢٠١٢ وبعد أن تجول في صحاري ورمال المريخ وأرسل للأرض دراسات وصور عن سطح الكوكب الأحمر ، تبين للعلماء والباحثين بأنهُ في الماضي السحيق كانت هنالك ثمة شكل من أشكال الحياة على المريخ وهذه الحياة قد فنيت وانطفئت قبل ملايين السنين ، وتبين لهم من خلال دراسة تضاريس الكوكب بأن الماء كان يوما ما وفير عليه ، و وجود الماء يعني وجود الحياة ، لكن الواقع الحالي للمريخ يقول بأن هذه الحياة قد نضبت منذ ملايين السنين ، أي أن شيئاً ما قد أنهاها ، ليتحول لكوكب قافر شاحب تماما ، وخالٍ من أي أنماط الحياة .... ولربما يكون الجنس الذي استعمره ذاك الوقت هو ذاتهُ من قضى عليه وأفنى مسببات الوجود فيه .....
لو عدنا للوراء لمائتي عام خلت نجد بأن الإنسان لم يتخيل ذلك الوقت أبداً بأنهُ سيخترع القنبلة الذرية ثم النووية ثم الهيدروجينيه وكل هذه الأسلحة اذا استخدمت فإنها قادرة على محو جزء كبير من الحياة ، ومن يدري لعله بعد مائة عام قادمة يخترع الإنسان سلاح يكون قادر تماماً على إيقاف الحياة كلياً على الكوكب الأزرق ، وقد ينتج عن ذلك تبخر البحار وذوبان ثلج القطبين أو ثقب الغلاف الجوي وهنا تنتهي الحياة فوراً ....
من يدري لعل وجودنا على هذا الكوكب هو الوجود الثاني لجنس عاقل يسكن كوكب الأرض بعد أن سكن المريخ قبل ذلك لكنهُ أفنى نفسه بنفسه ، فمُنحنا فرصة أخرى وانتقلنا للعيش على كوكب آخر بتاريخ آخر وصفحة جديدة أخرى ،  وليس من الشرط أن نتذكر مثلا بأننا كنا يوما ما هناك ، فقد أسلفت ربما هذه منحة ثانيه لنا على كوكب آخر جديد ... لكن المؤشرات كلها تدل على أننا ذاهبين للقضاء على أنفسنا مجدداً ، حينها لن يكون هنالك ثمة فرصة ثالثه تنتظرنا على كوكب الزهرة بعد فناء الأرض ، وقد تأتي ملايين سنين قادمة وتصل حضارة فضائية لتكتشف كوكبا خامداً رمادياً لا حياة فيه اسمهُ الأرض ، ليجدوا بأن حضارةً ما عاشت هنا ثم انقرضت وليكتشفوا كما اكتشفنا نحن  بالمريخ بأن الماء كان وفيراً هنا  .... 
وما يدريك لعلهم يدركوا بأن صراع الإنسان مع الإنسان هو من قضى عليه وعلى كوكبه ، حينها سينقلبون على ظهورهم من كثرة الضحك والسخريه وستدمع عيونهم من فرط ضحكهم علينا ، وقد يعود مسبارهم الذي اكتشف فضائحنا لكوكبهم ويقول علمائهم لعامتهم : لقد فككنا لغز كوكب الأرض الرمادي الخامد ، واكتشفنا بأن حضارةً ما كانت عليه ثم فنيت ، وتبين لنا بأن سكان هذا الكوكب هم ذاتهم من دمروه وأفنوا وجودهم  ، ألم نقل لكم بأنهم كانوا مجموعة من الأغبياء.

الفيزياء والحرب

Tuesday, December 6, 2016

حينما قام (مايكل أنجلو) بزخرفة سقف كنيسة سيستينا بالفاتيكان ، كان شديد التركيز بعمله حيثُ أبدع لدرجة اللامعقول وكانت دقتهُ بالعمل استثنائيه ، ولو لم يكن حاضر التركيز ومراعي لكل سنتيمتر بالسقف المهول لخرجت نتيجة أخرى ولربما كانت رسمه عادية جدا ، إذا دعنا نقول أن هنالك شعرة أحياناً بين الجمال والقباحه ، هنالك شعره غير مرئيه بين النجاح المطلق والفشل المطلق ، هي نفسه الشعرة اللامرئيه بين العبقريه الفذه والجنون ، بين الإيمان والإلحاد .....
إن جراح القلب وأثناء عمله يكون تركيزه بغاية القمة ، فقد يُحيي المريض أو يودي بحياته ، تماماً كدقه الصاعق الذي يغلق صمام الصاروخ ، فهذا الصاعق منحوت بأدق التفاصيل كي يُغلق الصمام بدقه عجيبه ولو اختلف هذا النحت ربع ميكرومتر مثلا لما تمت عمليه الإطباق بنجاح وقد تؤدي لإنفجار الصاروخ على متن الحامله التي تحملهُ سواء أكانت منصه إطلاق أو طائرة ....
هنالك ثمة مرتبه أعلى من الدقه وهي الدقه المتناهيه والتي تحدث عنها العالم ( نيوتن) ورئى بأنها ليست ذات أهميه ولا تؤثر على النتيجة النهائيه ، فلو كان عندنا انبوبين متساوين بكل شيء (طول وعرض ودرجة انحناء) لكن أحدهم يوجد بهِ نتوء طفيف بداخله ( ندبه) طولها مثلا سنتيمتر واحد فقط وقذفنا بكل إنبوب كرة صغيرة بسرعه واحده عندها ستخرج الكرتان من الفتحه النهائيه لكلا الانبوبين بنفس الطريقه ويرى نيوتن بأن هذا النتوء لن يؤثر مطلقاً على شكل خروج هاتين الكرتين أي أن كلتاهما ستخرجان بنفس النتيجة الميكانيكيه والفيزيائية ولا يعير نيوتن أي اهتمام للنتوء آنف الذكر في بنية التجربه .... وقس على ذلك الكثير من الأمور الحياتيه ، فكثيرٌ منا يقول يجب أن لا نضيع الوقت بهكذا فروقات نحيله لا تسمن ولا تغني من جوع ، ما المشكله اذا كانت أزرار القميص تختلف بالحجم الذي لا تلحظهُ العين المجردة ، أو ما المشكله اذا أخرت هذه الساعه ثلاث ثوان فقط لن تكون نهاية العالم ، ما المشكله اذا كانت حرارة فرن الطهي ١٦٤ درجة مؤيه وليست ١٦٧ .
الحقيقه نيوتن نفسهُ وجد بأن هذه الاختلافات طفيفه جدا ولا تأثير لها على النتيجة النهائيه ، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تم ضحدهُ وعدم تبنيه حينما تقدمت البشريه أكثر بالعلم والمعرفه والاختراعات الدقيقه جدا ، وكان لعالم الرياضيات الفرنسي ( هنري بوانكاريه) رأي مضاد لذلك وذلك في بدايه القرن الماضي حيث رأى بأن هذه التغيرات الطفيفه جدا تؤثر تماماً على النتيجة النهائيه مع مرور الزمن و هذه التغيرات قد تؤدي لإبتعاد النتائج بشكل كبير جداً عن بعضها، إذا هنالك اختلاف يجب عدم إهماله أبدا.
لنأخذ مثال بسيط إن الرقم السحري الثابت (باي)
π والذي هو 3.14159265358979323846 هو رقم عجيب حقاً وهو مقياس النسبه والتناسب في كل شيء ، هذا الرقم يتعاطى معه الكثيرون بالتقريب بمن فيهم الفيزيائيون والرياضيون فنجدهم يقربون الرقم اختصاراً إلى 3.141 ويهملون المنازل الكسريه التي تكمل الرقم حجتهم أن النتيجة ستكون متشابه جدا جدا وقريبه ولا جدوى من تضيع الوقت بتلك الارقام ، هذا ما سَخر منهُ عالم الرياضيات والارصاد الجويه ( إدوارد نورتن ) صاحب نظريه الفوضى أو ما يسمى بفرضيه أثر الفراشه Butterfly Effect والذي يرى بأن الاجابه ستبتعد كثيرا مع مرور الوقت اذا تم اهمال تلك الارقام وهذا ما أثبته عبر تجربة باروميتر للرصد الجوي قام باختراعه ، ولاحظ اختلاف النتائج كلياً مع مرور الوقت بسبب إهمال هذه المنازل الكسرية .....
إن جوهر نظريه الفوضى تقول ( بأن التغيرات البسيطة جدا تؤثر على أنظمة معقدة وضخمة ) وبسطها عندما قال بأن رفرفه جناح فراشه بالبرازيل مثلا قد يكون سبب بحدوث إعصار بتكساس بعد عدة اسابيع بسبب هذه الرفرفه التي كبرت وكبرت وكبرت حتى كانت سبب بتحريك الريح وصولاً لتكساس وهذا سبب تسميتها ( أثر الفراشه
butterfly Effect) ....
بادئ الأمر قد تسخر من هذه النظريه مثل ما سخرت أنا شخصيا منها حيثُ وجدتها قمة الهرطقه العلميه وباللهجة المحليه    ( فذلكه) لكن عندما تمعنت أكثر بهذه النظريه وجدت بأنها دقيقه جدا رغم أنها مصطلح مجازي فلسفي نوعاً ما أكثر منهُ علمي ، فالعمود الأساس الذي بنيت عليه النظريه هي عدم احتقار التغيرات البسيطه أبدا والتي سيكون لها تأثير كبير جدا على النتائج مع مرور الزمن ، حيث أجد بأن ذلك ينطبق على كل شيء نفعلهُ بالحياه ، مثلا لو وضعنا صخرة صلبه أسفل صنبور ماء وجعلنا الصنبور يقطر عليها قطرة كل ثانيه فلربما بعد عشرين سنه ستنجح القطرات أخيرا بشرخ الصخرة لشطرين رغم أن المنطق يرفض ذلك لكن هذه حقيقه حتى لو لم يتقبلها العقل والمنطق .... كم من أمر بسيط لا يُذكر كان سبب بتغير جوهري وكبير جداً فيما بعد وخير مثال على ذلك هي الحروب والتي انطلق معظمها من شرارة واهيه تافهه لحدٍ ما ..... أيعقل إذا أن تندلع حرب (دلو البلوط القديم) في سنة 1325م ، نشبت الحرب في ايطاليا عندما أغار جنود من مدينة مودينا على مدينة بولونيا كي يعيدوا دلو مصنوع من خشب البلوط كانوا يعتقدون أنهُ سُرق من مدينتهم .... حيث بدأت برفرفه فراشه ليندلع بعدها الاعصار الكبير ..... أيعقل أن يخسر فريق السلفادور لكرة القدم من نظيره الهندوراسي عام ١٩٦٩ لتقوم الأولى بشن حرب على الثانيه راح ضحيتها ما يزيد عن ٣٠٠٠ شخص ....
شرطيه متعجرفه بتونس صفعت مواطن بسيط على وجهه أشعلت غضب شعب بأكمله لتشتعل بعدها دول عربيه كثيرة أدت لمأساة ما يسمى الربيع العربي ، أليست هذه رفرفه فراشه أدت لزلزال وبركان واعصار فيما بعد ......كم من كلمه يقولها شخص ويظنها كلمه عاديه تكون سبب بتغيير حياة فرد آخر للأبد ولربما حياة أمة بأسرها ، كلمة طيبه تقولها تُبنى عليها الآمال ولربما كلمة جارحة تتلفظها تمحو حياة إنسان وعائلتهُ من الوجود ....
يجب أن ننتبه كثيراً لما نقول ونرى ونسمع وعلينا تذكر أثر الفراشه على الشيء الذي ننوي القيام به ، الدنيا سلسله من العجائب والأسرار والتي ستستمر ألغازها إلى مالا نهايه .... عجيبه في كل شيء هي الدنيا حتى بأبسط قوانينها .

التجربة الكورية؟

Monday, June 27, 2016



يصنف رجال الاقتصاد العالمي اليوم (كوريا الجنوبية) كدولة وصلت لما يسمى بالمعجزة الاقتصادية الأولى على مستوى العالم، بلد صناعي وزراعي وتقني بامتياز، هي نمر آسيوي ناهض لا يمكن اللحاق به أبداً أو حتى مجاراته.

حتى ستينيات القرن الماضي كانت المجاعة تعم أرجاء كوريا الجنوبية مما اضطر الكثير من الكوريين لأكل أوراق الشجر ومضغ الأعشاب بالطرقات، المجاعة الكورية كانت مهولة بينما كانت نظيرتها الشمالية تتمتع بنظام اشتراكي شيوعي جعلها ضمن توازن غذائي جيد .. لدرجة أن كوريا الشمالية قامت بإرسال الأرز لعدوتها الجنوبية بعدما اجتاحت الفيضانات كوريا الجنوبية وقضت على معظم حقول الأرز عام ١٩٧٤ وذلك خوفًا من تفشي المجاعة مرة أخرى بالبلاد بعد مجاعة الستينات.

كتب رئيس كوريا الجنوبية السابق (ميونغ باك) بمذكراته أنه حينما كان طالباً بالمرحلة الابتدائية بالستينات كاد أن يهلك من الجوع ويموت بسبب الفقر والمجاعة، لكن زميله بالمدرسة أنقذه من الموت إذ كان يساعده يوميًا لأن والد زميله كان غنيا وقتذاك، المضحك بالموضوع هو مقياس غنى وثراء أبو زميله بمقاييس الثراء حين ذاك، يقول (ميونغ باك) بأن والد زميله كان يملك بمنزلهم دجاجتين أي أنه من الطبقة الغنية وكان يأتي له ببيضة كل يوم للمدرسة وتكون هذه طعامه وقوت يومه وبفضل هذه البيضة لم تقضي عليه مجاعة الستينيات.

اليوم معدل دخل الفرد في كوريا الجنوبية عالي جدًا، والبطالة بأقل مستوياتها، كوريا الجنوبية اليوم عملاق صناعي جبار، سياراتها تغزو العالم بسبب رخص ثمنها وقوة أدائها، بالإلكترونيات لا يخلو بيت بالعالم لا يحتوي على شيء مصنوع في كوريا سواء أكان تلفاز أو هاتف محمول أو غساله أو مكواة أو ثلاجة.

ترى ما السبب الآخر -غير الإلهي طبعاً- الذي قفز بكوريا من بلد فاشل فقير معدم لبلد حقق المعجزة الاقتصادية الأولى بالعالم؟ علمًا بأن كوريا وحتى عام ١٩٨٧ كانت بلد خاضعه للانقلابات العسكرية والمظاهرات دائمًا ما كانت تعم شوارع (سيئول) ليل نهار، وفي كل يوم تقريبًا ثمة غازات مسيله للدموع تشتم رائحتها في أركان الشوارع لتفريق الجموع الغاضبة.

الجواب بكل بساطة هو الشعب، نعم الشعب الذي قرر أن ينتفض من قيود الفقر والحرمان والتبعية وينطلق للبناء بشتى المجالات، كذلك ثمة دور حكومي كبير تمثل بخلق البيئة المناسبة لهذه الانتفاضة.

بقناعة فظيعة جعلت الكثير من العمال والتقنيين والمهندسين يرضون بقبض اجور رمزية ومتدنية بالثمانينيات من أجل النهوض بكوريا مستقبلًا، وقامت شركة (هيونداي) بدخول السوق العالمية بأقل التكاليف والأسعار، وقدمت كوريا يد عاملة كفوئة ورخيصة للعالم الصناعي الأوربي كألمانيا وايطاليا وكانوا هؤلاء يحققون دخلا كبيرا لكوريا، أساتذة الجامعات رضو بمعاشات قليلة ذاك الوقت لأنهم كانوا يدركون بأن الجيل القادم سيعوضهم وهذا ما كان فعلًا، فالصندوق الاجتماعي لكوريا قوي جدًا ويدعم جيل الثمانينيات كثيرا كونهم جيل أوصل كوريا لما هي فيه الآن؟

أنا شخصيًا تعطيني تجربة كوريا قبس نور نحيل جدًا جدًا لأمل ما ينتظر سوريا، لمجرد الدعابة فما بين سوريا وكوريا تشابه لفظي كبير ولكن ثمة اختلاف بالوضع ملحوظ، لما لا نكون يومًا ما مثل كوريا بعد توقف آلة القتل اليومي في سوريا، لما لا؟
كوريا الجنوبية خرجت من حرب شرسة طاحنة عام ١٩٥٣ كانت فيها (سيئول) مدمرة بالكامل ومن قبلها بسنوات كانت ترزح تحت الاحتلال الياباني لأكثر من أربعين عام، كوريا بخمسينيات القرن الماضي كانت نسبة الأمية فيها تتجاوز ٩٠٪ لأن اليابانيون حاربوا التعليم بكوريا بشكل كبير.

لما لا تنهض سوريا من ركام الحرب يومًا ما ثم يعيد أبنائها بنيانها من جديد؟ نحن لا نريد سوى أن نحلم وهذا الشيء الوحيد الذي تبقى لنا وبالنسبة لي سأعيشه مهما كان لأنه من أبسط حقوقي. وأنا متمسك بهذا الحق وهو الحلم ولا أريد غيره.

من أنا

Rasha Khalifa
View my complete profile

Blogroll

 
© جميع الحقوق محفوظة |Study with us sPRk